السيد محمد تقي المدرسي
275
من هدى القرآن
من قومهم ، وتكرار الفكرة ذاتها يفيد التذكرة ، لأن غفلة الإنسان وشهواته لا تنفك تحجبه عن الحقيقة حينا بعد حين ، وحينما لا يتذكر الإنسان يغفل ، فتهجم عليه حجب الشهوات لتحجب عقله ، فهو بحاجة إلى التذكرة باستمرار . إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، والإنسان لا يكتفي بصلاة واحدة في اليوم والليلة ، وإنما يجب أن يصلي خمس مرات في اليوم ليمحو آثار الشهوات ، وليرصد الشهوات الطارئة ، ويطهر قلبه من آثارها . . وهكذا يستمر المرء يحارب بالصلاة حتى يختتم عمله وسلوكه بخير . وكلما ذكرنا القرآن بالله سبحانه وبرسالاته ، والصراع الأبدي بين الحق والباطل ، والرساليين والجاهليين ، كلما ضغطت علينا الظروف باتجاه تناسي ذلك الصراع ، وجرتنا نحو الغفلة عما يجري في أنفسنا وفي الساحة الاجتماعية من صراع بين الكفر والإيمان ، ويكرر الذكر الحكيم قصص المرسلين للتذكرة بهذا الأمر . أما الهدف الخاص من تكرار القصص القرآنية فهو تبيان الفارق بين النور الإلهي الهابط من عند الله باسم الرسالة ، وبين الثقافة الأرضية الموغلة في وحل الشهوات والأهواء . وبين هاتين الثقافتين فرق كبير جدا ، وقد حدد القرآن الكريم هذا الفرق عبر التمييز بين من يحمل هذا النور الإلهي ، وبين من يتأثر بالثقافة الأرضية ، فبينما تجد الشعراء في كل واد يهيمون ، وأنهم يقولون مالا يفعلون ، تجد الأنبياء على نقيض مما يفعله الشعراء ، يتحملون مسؤوليتهم ، ويتصدون للصراع . وفي هذه السورة يتابع السياق تأكيد وإيضاح الهدف ذاته ، ليبين لنا أن رسل الله على حق ، ولكن يؤكد ذلك بعد صمود النبي أمام الإغراءات المادية ، والضغوط المختلفة ، لذلك نجد سليمان عليه السلام يصمد أمام الإغراءات المادية والسلطوية للملك ، فلا يعتدي ولا يتجاوز حتى على حدود النملة وحقوقها ، ومن ناحية أخرى نجد أن صالحا عليه السلام الذي أرسل إلى ثمود يقاوم ضغط التهديد ، فيتآمرون على قتله ، وهو منهم ، وقوانين بلدهم لا تسمح لهم بذلك بأي شكل من الأشكال ، فيخططون من أجل القضاء عليه عليه السلام بطريقة معينة ، وهي أن تختار كل قبيلة من القبائل التسع المتواجدة في مدينة حجر - الواقعة بين الشامات والحجاز - رجلا منها فيقتلونه ثم ينكرون قتله ، فيضيع دمه بين القبائل . . وهكذا أرادوا أن يشترك جميع أبناء البلد في دمه ، وبذلك يتخلصون من وطأة القوانين التي تمنع قتله . وفي تلك الليلة التي قررت فيها ثمود قتل نبيهم ، أمر الله صالحا عليه السلام بالرحيل عن